الحاج ميرزا علي الإيرواني الغروي
63
حاشية المكاسب
من الآلام والأسقام فالعبرة في وقوع الصّدقة عن الشّخص هو أن يكون دفعها لغاية دفع البلاء عنه سواء كانت بماله أو لم يكن قوله قدس سره ثم إنّ في الضمان لو ظهر المالك ولم يرض بالتصدّق بعد التّسالم على أنه لا سلطنة للمالك على استرجاع عين ماله من يد الفقير وعدم التّسالم على ضمان الفقير لو تلف المال وأيضا عدم ضمان المتصدّق مع رضى المالك بالصّدقة يقع الكلام في ضمان المتصدّق مع عدم رضى المالك بالصّدقة وينبغي تحرير البحث في مقامات ثلاثة الأوّل فيما تقتضيه الأصول العمليّة من الضّمان وعدمه الثاني في مقتضى القواعد العامّة الواردة في باب الضّمانات الثالث في مؤدّى الأخبار الخاصّة الواردة في الباب أمّا المقام الأوّل فاعلم أنّ مقتضى استصحاب البراءة هو عدم اشتغال الذّمة بالمثل والقيمة بعد خروج العين بالتصدّق عن ملك مالكه من غير فرق بين أن تكون اليد على العين يد ضمان أو يد أمانة شرعيّة وقد قبضها حسبة لمالكها فإنّ اشتغال الذّمة يحدث فيما هناك ضمان بعد تلف العين وإلَّا فحال قيامها ليس إلَّا التّكليف بأداء نفس العين وهذا التّكليف بعد اليأس عن المالك قد ارتفع ويشكّ في أنّه بالتصدّق هل اشتغلت ذمّة المتصدّق بالبدل وهل حدث تكليف بأداء البدل بعد ظهور المالك أو لا فيستصحب عدم اشتغال الذّمة بالبدل وعدم توجّه التكليف بردّ البدل والاشتغال الذي كان يقطع به فيما إذا كانت اليد يد ضمان هو اشتغال الذّمة بالبدل على تقدير التّلف بغير وجه الصّدقة وأمّا التّلف بالصّدقة فلم يكن يقطع من أوّل الأمر بأنّه موجب لاشتغال الذّمة وليس شأن الاستصحاب إسراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر فاستصحاب الضّمان فيما إذا كانت اليد يد ضمان من الأغلاط ولو صحّ الاستصحاب المذكور جرى مثله في جانب عدم الضّمان فيما إذا كانت اليد يد أمانة ولم يكن وجه للرّجوع إلى أصالة البراءة عن الضّمان ثم تحكيم الاستصحاب على أصالة البراءة بعد وقوع المعارضة بينهما بضميمة عدم القول بالفصل بل لو صدق عدم الفصل بين الصورتين تعارض استصحابا هما وبعد التّساقط كان المرجع أصل البراءة فتحصّل أنّ الأصل ابتداء في جميع الصور هو استصحاب البراءة ولئن كان الأصل في إحدى الصّورتين هو استصحاب الاشتغال كان الأصل في الصورة الأخرى هو استصحاب البراءة وبعد التساقط بالمعارضة ثبت القول بعدم الفصل كان المرجع في جميع الصّور أصالة البراءة من التّكليف بأداء البدل هذا لو لم نقل بانقلاب يد الضّمان بيد الأمانة بانقلاب القصد وإلَّا كانت اليد في الموردين بحسب الاستمرار يد أمانة وإن لم تكن بحسب الابتداء كذلك فإنّه بمجرّد أن قصد إيصال المال إلى صاحبه وتفحص عنه صار أمينا وخرج بذلك عن الضّمان إلى عدم الضّمان فإذا شكّ بعد ذلك في حدود الضّمان بالتصدّق استصحب حكم الحالة المتأخّرة والعجب أنّ المصنّف مع اختيار الانقلاب في صدر المبحث لم يجز ذكرا منه هنا بل جعل عدمه من المفروغ عنه وأمّا المقام الثّاني فالقواعد الدّخيلة في المقام هي قاعدة الإتلاف وقاعدة اليد أمّا قاعدة الإتلاف فتقريب اقتضائها للضّمان هنا هو أنّ المتصدّق بتصدّقه أتلف المال على مالكه بمعنى أنه أخلا كيسه منه وليس المراد من الإتلاف شيء وراء هذا ولم يؤخذ في موضوع الإتلاف في قاعدة الإتلاف أن يكون الإتلاف غير سائغ بل يشمل ما إذا كان على وجه مشروع بل ما إذا وقع على صفة الوجوب كما في المقام وفي أكل المال في المخمصة وبالجملة وجوب الإتلاف يجتمع مع الضّمان بقاعدة الإتلاف وقد وقع التصريح بهذا الجمع في رواية حفص بن غياث هذا ولكن يرد على التّمسك بقاعدة الإتلاف في المقام أوّلا أنّ الإتلاف هنا لا ينسب إلى المباشر للصّدقة بل إلى السّبب وهو اللَّه تبارك وتعالى شأنه فهو المتلف بحكمه بالتصدّق وهو المتلف بحكمه بعدم جواز الرّجوع في الصّدقة وإلَّا فربّما تكون العين باقية في يد الفقير لم تتلف ولذا كان الضمان أو قرار الضّمان في الإكراه على الغصب على المكره بالكسر دون المكره بالفتح نعم على هذا ينبغي أن لا يترتّب الضمان على أكل المال في المخمصة مع أنّه باطل بالقطع إلَّا أن يفرق بأنّ الضمان هناك ضمان اليد وإلَّا فالمال لم يتلف بالأكل بل انتفع بأكله وليس أكل المال إتلافا له وفيه أنّ المراد من الإتلاف هنا إتلاف المال على صاحبه بإخلاء كيسه منه لا الإتلاف بمعنى تضييع المال وثانيا أنّ قضيّة ما على المحسنين من السّبيل عدم الضّمان في الإتلاف بالصّدقة بناء على أنّه إحسان للمالك وقد حكَّموا هذا الدّليل على قاعدة اليد فليحكم على قاعدة الإتلاف وقد ناقش المصنّف في التّمسك بقاعدة الإتلاف في المقام بوجهين آخرين الأوّل أنّ ظاهر هذه القاعدة كون الإتلاف علَّة تامّة للضّمان فالمقام خارج من ذلك لعدم كون الإتلاف فيه علَّة تامّة بالقطع ولا دليل على كونه جزء العلَّة أمّا عدم الدليل على جزء العلَّة فذلك هو المفروض وأمّا عدم كونه علَّة تامّة فلما أشرنا إليه في صدر البحث من أنّ عدم الضمان في صورة رضى المالك بالصّدقة من المتسالم عليه وإنّما البحث في الضّمان إذا اختار الغرم فكان علَّة الضمان مركَّبا من التصدّق مع اختيار المالك للغرم ويردّه أوّلا ما أشار إليه المصنّف ره من أنّ هذا لم يثبت بل يحتمل أن يكون التصدّق علة تامّة للضّمان ورضى المالك مسقطا له فإذا احتمل كونه علَّة تامّة حكم بأنّه علة تامّة أخذا بعموم قاعدة الإتلاف وثانيا أنّا إن سلَّمنا أنّ الإتلاف ليس علة تامّة للضمان أمكن التّمسك أيضا بعموم القاعدة لإثبات أنّه جزء العلَّة فإن خروج قطعة ما قبل تغريم المالك عن القاعدة لا يمنع من التمسّك بها فيما بعد التغريم وثالثا أن لنا أن نحكم في صورة التغريم بثبوت الضّمان من مبدأ الأمر ومن حين التصدّق وليس معنى استفادة العلية التامّة من القاعدة إلَّا إثباته للضمان عقيب الإتلاف بلا مهلة وهذا نلتزم به في صورة اختيار الغرم نعم صورة الرّضى بالصدقة تخرج عن القاعدة ورابعا أنّ ظاهر رواية حفص حدوث التكليف بأداء الغرامة عند اختيار المالك للغرامة وظاهر قاعدة الإتلاف عليّة الإتلاف لاشتغال الذّمة ولا منافاة بوجه بين حدوث اشتغال الذّمة بالتصدّق وعدم حدوث التّكليف بأداء الغرامة إلَّا حيفا يختار المالك للغرامة الثاني أنّ منصرف الإتلاف في موضوع قاعدة الإتلاف الإتلاف على المالك لا الإتلاف للمالك وهاهنا أتلفه للمالك إيصالا لأجر الصّدقة له لمّا لم يتمكَّن من إيصال عين ماله إليه ويردّه أوّلا أنّ ثواب الصّدقة كيف يصل إلى المالك مع أنّ الممتثل لخطاب الصّدقة هو المتصدّق وهل يعقل امتثال واحد وإثابة آخر نعم ذلك في إهداء الثواب ثابت وكذلك في موارد النّيابات والمقام أجنبيّ عنهما وثانيا أنّ ثواب الصّدقة لا يعود إلى المالك إلَّا إذا رضي بالصّدقة لا بصدقة هذا والرّضى فعله لا فعل هذا وثالثا أنّا نمنع ما ادّعي من الانصراف ولذا يضمن من قدّم طعام المالك إلى نفسه فأكله من غير اطَّلاع منه بأنّه طعامه ولو نوقش أنّ ذلك لقاعدة الغرور أو أنّ الضّمان هناك ضمان اليد لا ضمان الإتلاف قلنا يضمن الأمين لو صرف الأمانة في حاجيات المالك ومصارفه مع أنّه أتلفه له لا عليه وبالجملة هذا كلام لا يعرّج عليه ولا يصغى إليه وأمّا قاعدة اليد فهي تقتضي الضّمان فيما كانت اليد في ابتدائها يد ضمان لا يد أمانة وإن انقلبت بعد ذلك إلى يد الأمانة وتفحّص عن المالك ثم تصدّق لما عرفت أنّ بحدوث هذا اليد يحدث الضمان ويستمرّ حتّى تحصل الغاية وهو أداء المال لمالكه وما لم تحدث كان الضّمان مستمرّا بحكم على اليد بلا حاجة إلى الاستصحاب ولا مزاحمة لكون اليد في قطعة الاستمرار يد أمانة فإنّ يد الأمين لا تقتضي الضمان وتلك يقتضيه وما لا يقتضي لا يزاحم ما يقتضي نعم إذا قلنا إنّ يد الأمانة تقتضي عدم الضّمان تزاحم المقتضيات في تأثيرهما ويرجع إلى استصحاب